|
التيار الفكري و الطريق ذو الثمانية مراحل
بقلم شري شري أناندا مورتي
في مرات
عديدة قلت أن الوجود الإنساني هو عبارة عن تيار فكري.أنتم تعرفون
أن النباتات و الحيوانات و البشر هم جميعاً كائنات حية,و لكن يوجد
إختلافات عديدة فيما بينهم.النباتات لا تستطيع أن تحررك أو تمشي,و
بالتأكيد فهي غير متطورة و تمتلك عقولاً غير متطورة.و في حالة
الحيوانات,فإنها تستطيع أن تتحرك و تمتلك عقولاً متطورة قليلاً.في
الحياة الحيوانية,الحياة تعني المتع الجسدية,الأكل,النوم ثم
الفناء.ولكن بالنسبة للبشر فإن الحياة هي تيار فكري.ذلك أن الإنسان
يستطيع أن يتخلّى,عن أي شيء و عن كل شيء من أجل فكره و
مبدأه.الإنسان يمكن أن يموت من أجل مبدأه.و لكن الحيوانات لا تمتلك
مثل هذا المبدأ و ليس لديها هدف في الحياة.فحركة الحيوانات بدون
هدف.فهي تتحرك فقط من أجل الحصول على الطعام
جميعكم كائنات إنسانية .
القدماء الذين آمنوا بالمبدأ الكوني , و ندعوهم (فايشنافا)نسبة
إلى "فيشنو" و يعني الإله الكوني , قالوا : [ أتيت إلى هذا
العالم كي أعبد الإله كرشنا , و لكني أصبحت مُقَيّداً
بالوهم مثل شجرة
كرشنا هو الغاية الفكرية
لكل كائن إنساني . ما هي الغاية من الحياة الإنسانية ؟إنها التحرك
بإتجاه الشخصية الجوهرية السامية أخبرني أحدهم أن إسمه "كرشنا
داشا", و يعني خدمة كرشنا . إنه إسم جيد . من أجل ماذا يأتي
الإنسان ؟ كي يتصرف وفقاً لمشيئة الإله الأسمى , وفقاً لمشيئة الله
الذي هو الأمنية الأسمى للكائنات الإنسانية , و لكن بسبب الأشياء
التي تحول إنتباه الإنسان و بسبب الإنحرافات (بعض الناس ) يعيشون
مثل الحيوانات العادية .إذا لم يتحرك الشخص بإتجاه هدفه الفكري ,
فهو مثل الحيوان . و لكن في رأيي إن ذلك الإنسان ليس مثل الحيوان
بل أسوأ . لأن الحيوانات عندها نقص في عقولها , فهي لا تعرف ماذا و
كيف و لماذا تفعل , و لكن البشر يعرفون , و لهذا (إذا لم يخدموا
الله) فإنهم أسوأ من الحيوانات . و لذلك أقول: [ أصبحت مقيّداً
بالوهم و أصبحت أسوأ من شجرة
في اللغة السنسكريتية
كلمة فركشا تعني نبتة أو شجرة . الآن , الحياة الإنسانية هي
عبارة عن تيار فكري ,أي التحرك بإتجاه نواة هذا النظام الكوني ,
بإتجاه هذا الكون بأكمله .(أنتم تعرفون عن "النواة" : في حالة
نظامنا الأثيري , فإن الأرض هي النواة و القمر يدور حولها . و في
حالة نظامنا الشمسي , فإن الشمس هي النواة و العديد من الكواكب
السيّارة تدور حولها , عن معرفة أو عن غير معرفة. بشكل مشابه ,
بالنسبة للكون بأكمله , فإن باراما بوروشا ( الوعي الأسمى)
هو النواة و الكل يدور حوله سواء عن معرفة أو عن غير معرفة . هذا
هو التيار الفكري
الآن , بينما نتحرك
بإتجاه ذلك الإله الأسمى , بإتجاه تلك النواة السامية للكون , على
الإنسان أن يتذكر ثمانية نقاط . الحكيم بوذا حدّد هذه النقاط
كالتالي
النقطة الأولى :
سامياك دارشانا . دارشانا تعني فلسفة . على الإنسان
أن يسترشد بفلسفة صحيحة . الفلسفة هي المرشد , و على الإنسان أن
يتحرك بموجبها . ماذا نفعل و ماذا لا نفعل , ماذا يتصرف الإنسان
الكامل و ماذا لا يتصرف . , كل ذلك هو سامياك دارشانا .
إذاً على الإنسان أن يمتلك الفلسفة المناسبة . و إلى أن يعرف الشخص
الفلسفة الصحيحة , ماذا عليه أن يفعل و كيف يتصرف بشكل صحيح ؟ إذا
كنت ذاهباً إلى مكان محدّد , فأنت تتحرك وفقاً لوجهتك , أما إذا
كنت لا تعرف إلى أين تذهب , فكيف يمكنك أن تتحرك . و هكذا فإن
فلسفة الحياة المناسبة هي حاجة
متأصلة
و لكن هل تستطيع الفلسفة
أن ترشد الإنسان إذا كان نائماً ؟ إذا كانت قدرة الإنسان بشكل
مستتر أو هاجع , فإنها لا تستطيع . بماذا يستطيع أن يتحرك الإنسان؟
إنه يتحرك بنزعة الدوافع المسبقة . لذلك يجب أن يكون هناك نزعة
دافعة ترشدنا كي نتحرك . و هكذا يحتاج هذا الشخص تصميماً قوياً : "
أنا يجب أن أتحرك , أنا يجب أن أتحرك " , و يقوم بالفعل بعد ذلك .
يجب أن لا يحمل العقل أية أفكار سلبية . هل سيكون من الممكن أن
أقوم بذلك ؟ يجب أن لا يتكون مثل هذا السؤال في العقل , و كل مرة
يتواجد مثل هذا السؤال , فذلك يعني أنك لن تنجح في مهمتك . تفكيرك
يجب أن يكون إيجابياً دائماً : "نعم يجب أن أكون ناحجاً " . يجب أن
لا يكون هناك أية سؤال يتعلق بنجاحك . قال الحكيم شيفا :
"العامل الأول لإحراز النجاح هو التصميم الحازم بأنني يجب أن أنجح
".
و قال الحكيم بوذا أن
العامل الثاني هو سامياك سامكالبا , و يعني التصميم
الصحيح
هنا كلمة سامياك تعني باللغة السنسكريتية " الصحيح" . يمكن
أن يقول أحدهم :"أنني سأصبح أعظم لص" . لا يعتبر ذلك تصميماً
صحيحاً , و لكن سامكالبا أي التصميم يجب أن يكون مناسباً .
إن التصميم المناسب و القاطع هو " يجب أن أكون ثروة للمجتمع
الإنساني"
أما الشيء الثالث
فهو سامياك فاك .أنتم تعرفون أن الكائنات الإنسانية تملك
نوعين من الأعضاء و هي الأعضاء الخمسة
الحركية و الأعضاء الخمسة الناقلة
الحسية
المعروفة باللغة السنسكريتية بـ كارميندريا و جيانيندريا
. مجموعة كارميندريا تعرف بالسنسكريتية بـ فاك أي
القيام أو التفكير أو قول شيء ما حيثما يكون هناك تعبير خارجي .
ذلك هو كارميندريا . و حيثما يكون هناك حركة داخلية , أي أن نأخذ
شيء ما من العالم الخارجي , فذلك يدعى جيانيندريا . فإذاً ساميك
فاك هو أن يكون كل ما تفعله أو تقوله أو تلمسه يجب أن يكون
بتنظيم صحيح . إنه الإتجاه الثالث للشخص الذي يتحرك مع التيار
الفكري
النقطة الرابعة هي
سامياك آجيفا . آجيفا لها معنيين , المعنى الفعلي
للكلمة هو العمل و لكن العمل يمكن أن يكون على نوعين : العمل
المادي , مثل كسب النقود, و العمل الفكري مثل مادة أو موضوع
التفكير
و لهذا على الإنسان أن
يمتلك عملاً شريفاً , بمعنى أن لا يفعل أو يشجّع أي شيء معادي
للمجتمع أو ضد المصلحة الجماعية . هذا هو معنى سامياك آجيفا في
المجال المادي . يمكن لشخص ما أن يكسب النقود من بيع الخمر أو
بواسطة السرقة , هذا ليس سامياك آجيفا . عملك يجب أن يكون مفيداً و
نظيفاً و لا يسير ضد مصلحة المجتمع
و النوع الثاني من
آجيفا , أي العمل هو العمل الفكري . يوجد إصطلاح خاص
للعمل الفكري في اللغة السنسكريتية وهو بوغا . يعني , على
فرض أن شخص ما يفكر بشخص سارق , فماذا سيحدث ؟ ما هي العملية
الفكرية التي تحدث ؟ عندما تفكر بشيء ما فإن عقلك ينقسم إلى قسمين
. الجزء الأول هو الجانب الذاتي أو الشخصي , و الجزء الثاني هو
النظير الواقعي أو الموضوعي . و عندما تفكر في شخص سيء أو لصّ
فماذا سيحدث ؟ النظير الموضوعي من عقلك سوف يأخذ شكل ذلك اللص ,
شكل ذلك الرجل السيء , و ماذا سيحصل ببطيء ؟ إن النظير الذاتي من
عقلك , أي الجزء الشاهد ( يوجد جزء شاهد و جزء فاعل ) سيتحول ببطيء
إلى ذلك الرجل السيء و رويداً رويداً سوف تصبح رجلاً سيئاً . لذلك
يجب أن لا يكون الرجل السيء موضوع تفكيرك أو تأملك . إذا فكرت برجل
سيء سوف تصبح رجلاً سيئاً
أنتم تعرفون , يوجد حشرة
معينة في الهند تسمى بيشاسكرت و هي تقتل الصراصير . أنتم
تعرفون الصرصور تلك الحشرة الحمراء . و الصراصير تخاف كثيراً من
هذه الحشرة . و هكذا عندما يرى الصرصور هذه الحشرة تصبح موضوع
تفكيره و تصوّره , بمعنى يأخذ النظير الموضوعي من عقل الصرصور شكل
الحشرة يشاسكرت) و ماذا يحدث ؟ يتحول جسد
الصرصور ببطيء إلى جسد الحشرة . أي أن الصرصور ذاته يتحول إلى شكل
قاتله
و لهذا فإن إنشغالكم
الفكري يجب أن يكون نقياً جداً. و ما هو أفضل إنشغال فكري ؟ إنه
الوعي الأسمى . كرشنا أو الوعي الأسمى هو أفضل ما يمكن أن تشغل به
فكرك .و إذا أصبح الوعي الأسمى النظير الموضوعي فماذا سيحدث ببطيء
؟ فإن وجودك بحد ذاته سوف يتحول إلى الوعي الأسمى . إذاً النقطة
الرابعة من التعليمات هي سامياك آجيفا . آجيفا كما قلنا
تعني العمل , و باللغة السنسكريتية الحديثة تدعى جيفيكا
و بعدها النقطة
الخامسة من التعاليم كانت سامياك فياجام . أنتم تعرفون
أن فياجام تعني التمرين الجسدي . يوجد أيضاً العديد من
التمارين التي تستخدم الآلات و أنواع أخرى كثيرة , و لكن هنا كما
هو الحال بالنسبة للتمارين الجسدية , كذاك يجب أن تخضعوا للتمارين
الفكرية كي تقوّا عقولكم . لهذا يجب عليكم أن تمارسوا ماذا؟
التمارين الفكرية أيضاً . التمارين الجسدية سوف تجعلكم أقوياء مثل
وحيد القرن , مثل الفيل , و لكن ليسو أقوياء بالعقل و الروح .
الإنسان لا يستطيع أن يكون قوياً مثل وحيد القرن أو الفيل من حيث
القوة الجسدية , فذلك ليس ممكناً . لذا عليكم أن تمارسوا
التمارين الفكرية و تدعى باللغة السنسكريتية ماناسك فياجام
. ماناسك تعني فكريّ . يجب أن تتعلموا ذلك من معلميكم . يحب
أن تتعلموا كيفية القيام بعملية التمرين الفكري
و النقطة التالية هي
سامياك كارمانتا . عند بعض الناس , و لن أقول عند كل الناس
هناك خلل معين , وهو أن الشخص يبدأ العمل و لا ينهيه , و هذا أمر
سيء جداً . حينما تبدأ أي عمل عليك أن تكمله بترتيب مناسب , أي أن
اللمسة النهائية يجب أن تكون بتنظيم صحيح . و هذا يدعى كارمانتا
باللغة السنسكريتية . إذاً يقول بوذا سامياك
كارمانتا, أي مهما ستفعل أو تفعل الآن يجب أن تنهيه بالأسلوب
المناسب
و النقطة السابعة هي
سامياك سمرتي . في اللغة السنسكريتية سمرتي تعني
الذاكرة . ما هي سمرتي ؟ الذاكرة هي إعادة خلق الأشياء التي تمّ
إدراكها . على فرض أنك ترى فيلاً , ما هو المصطلح السنسكريتي للفيل
؟ إنه هاشتي أو غاجا , توجد أسماء عديدة فماذا سيحدث ؟ سيأخذ
النظير الموضوعي لعقلك شكل الفيل . الجزء الموضوعي لعقلك سوف يتحول
إلى فيل عندما تراه فعلاً . و لكن عندما لا يكون الفيل حاضراً و
لكن بإستخدام قوتك الفكرية أنت تخلق ذلك الفيل ثانيةً في الجزء
الموضوعي من عقلك ,فإن إعادة الخلق هذه تدعى الذاكرة
الآن
, أعتقد أن بينكم العديد
من خريجي الجامعات و الأطباء , إذا طلب منكم أن تتقدموا للإمتحان
النهائي للطب الآن , هل ستكونون قادرين على إجتياز الإمتحان؟ لا ,
لقد نسيتم كل شيء . إن ذاكرتكم لن تسعفكم . لقد أصبحت خفيفة و
ضعيفة جداً بسبب التضاءل المستمر . ماذا يجب أن تكون الذاكرة
الأفضل ؟ أعتقد أن معلميكم أخبروكم أنه يجب عليكم أن ترددوا
المانترا الشخصية كلّما أمكن ذلك أعتقد أن ذلك كان إرشاد معلميكم ,
أليس كذلك ؟إذاً يجب ترديد المانترا الشخصية و مانترا السيد الروحي
(غورو مانترا) بشكل فكري , و لكنكم نسيتم ذلك لأن ذاكرتكم
ضعيفة . و هكذا إن أفضل موضوع للذاكرة هو الوعي الأسمى فلا
تنسوه أبداً . دائماً رددوا إسمه , على حسب نصيحة معلميكم .
هذه هي سامياك سمرتي , أي الذاكرة المناسبة . إن الطامح
الروحي الذي رسخت عنده الذاكرة المناسبة , أي الذي لا ينسى
الإله أبداً , فإن تلك الحالة للعقل تدعى دارماميغا سامادهي
. تلك الغبطة التي يتمتع بها الطامح الروحي تدعى دارماميغا
سامادهي
الإرشاد الثامن و الأخير
هو سامياك سامادهي . على فرض أن شخص ما يركز عقله على
زهرة معينة . في الوجه الأول من عملية التركيز سيختفي شكل الزهرة
أولاً .و في الوجه الثاني سيختفي لونها . و أخيراً , فإن وجود
الشاهد سيندمج مع الوجود النظري للزهرة . هذا الإندماج للعقل في
الموضوع الذي يفكر به يُعرف بـ سامادهي
الآن , عندما يكون موضوع
الفكر هو ساغونا براهما , أي الوعي المقيّد بالصفات , فإن
السامادهي التي يستمتع بها المريد تدعى سافيكالبا سامادهي :
و عندما يكون الهدف نيرغونا براهما , الذات الحرّة من كل
الصفات , فإن السامادهي التي يستمتع بها المريد تدعى نيرفيكالبا
سامادهي , و هي أعلى أنواع السامادهي
يمكن للإنسان أن يصل إلى
نيرفيكالبا سامادهي عن طريق ممارسة دايانا أي التأمل الذي
نوجّه به الفكر بإتجاه الوعي . ما هو المصطلح الذي يقابل كلمة
دايانا بلغة بالي ؟ هل تعرفون اللغة الباليّة ؟
المصطلح في اللغة الباليّة هو جهان. و المصطلح الياباني هو
زين , أليس كذاك ؟ بقوة ماذا تصلون إلى نيرفيكالبا سامادهي؟
بواسطة ممارسة دايانا أو جهان أو زين
إذاً هذه هي وجهة النظر
ذات الثمانية مراحل كما وصفها
الحكيم بوذا , و هذه
هي
النصيحة الأفضل للمريد
الروحي . و على الإنسان أن يلتصق بقوة بهذه المباديء الأساسية
مساء العاشر من آب 1979
, بانكوك
مقتطف من كتاب أناندا
فاكانامارتام ( الجزء
30)
بقلم شري شري أناندا مورتي . من مطبوعات أناندا مارغا
كالكتا , طُبع بموافقة مركز أناندا مارغا للطباعة . كل الحقوق
محفوظة للأناندا مارغا براشاراكا سامغا 1998
|