الإنسانية الجديدة

من أحد أهم العوامل في تطور المجتمع هو النظرة الإجتماعية المناسبة.في الماضي ,كل الحضارات ضعُفَت و تقلّصت ببساطة لأن طبقة أو مجموعة واحدة فقط في المجتمع إعتبرت الآخرين أدنى منها و عاملتهم مثل العبيد.اليوم من أحد أكبر نقاط الضعف في الحضارة المعاصرة أنه لا يوجد إعتبار و إحترام مناسب و محبة مشتركة بين البشر.كل عرق يحرض ضد عرق آخر ,و كل دين ضد دين ,و كل جماعة تتحدث لغة معينة ضد جماعة أخرى.التقسيمات في المجتمع الإنساني لا نهاية لها و هي تستنزف الحياة الحيوية من حضارتنا

ليس هناك نقص في الإحترام المتبادل بين بني الناس أنفسهم,و لكن البشر فقدوا كل الإحترام و التقدير و المسؤولية إتجاه الحيوانات و النباتات التي تشاركنا هذا الكوكب.تدميرنا الطائش للحياة الحيوانية و النباتية ,و تلويثنا العديم التفكير للجوّ و الأرض و البحر , يُهدّد بأضرار دائمة للنطام البيئي للأرض جاعلاً إيّاها غير صالحة لكل أشكال الحياة 

Iفي كتاباته المبكرة ,قال (برابات رانجان ساركار) أن البشر أن يفكروا في أنفسهم كجزء من عائلة عظيمة تضم كل الإنسانية,بدلاً من أن ينسبوا أنفسهم إلى عرق أو دين أو جنسية أو مجموعة لغوية معينة.و قد سمّى هذا النوع من النظرة الإجتماعية"الكونية" .في عام 1982 توسّع (ساركار) في إتمام البحث في كيفية تطبيق هذا المبدأ عبر سلسلة من المحاضرات طُبعت في كتاب "تحرّر العقل.الإنسانية الجديدة".في ذلك الكتاب أشار إلى أن المبدأ الإنساني التقليدي لم يكن قادراً على رفع الإنسانية إلى مستوى المبدأ الكوني,و قدّم (ساركار)صيغة جديدة للمبدأ الإنساني ترتكز على الروحانية و سمّى هذا المبدأ "الإنسانية الجديدة  

فكرة مبدأ "الإنسانية الجديدة"مأخوذة من فهم الطبيعة الأساسيبة الفطرية (دارما) للكائنات البشرية.الحياة الإنسانية لها ثلاثة مستويات : الجسدي أو المادي , الفكري  و الروحي.فيما يخص الجانب الجسدي ,فإن علم الأحياء قال الكثير عن وظائف و عمل الجسم البشري.على أية حال فإن الحاجات الفكرية الروحية , أو الكائنات الإنسانية لم نفهما بعد على الرغم من الجهود التي يبذلها علماء النفس و الباحثين الروحيين 

إن الإمكانيات الأعلى للطبيعة الإنسانية تتطلب أن يكون العقل حراً كي يتوسع و يتجه نحو الوعي الأسمى (الله).عندما يحصل ذلك ,تتطور عند الكائن الإنساني المحبة إتجاه الوعي الأسمى و إتجاه كل الكائنات .هذا الحب للوعي الأسمى ,يجب أن يعتبر أثمن كنز للإنسانية , إذ بدونه تصبح الحياة جافة و بلا معنى

اليوم ,على أية حال , لا تملك الإنسانية الفلسفة الصحيحة للحياة,و لذلك فإن المجتمع الذي بنيناه ليس منسجماً مع التطلعات الداخلية للقلب الإنساني.عمَّت النظرة المادية كل جوانب الحياة اليومية الحاضرة و هي تسحق مشاعر الوجد و المحبة عند البشر , و كنتيجة لعدم التوازن بين الحاجات الداخلية و الحقائق الخارجية , نجد اليوم الكثير من البؤس و الكآبة و الأمراض العقلية في المجتمع

إن الحل لتصحيح هذا الخلل هو تبني فلسفة تحقق الإنسجام بين المتطلبات الإنسانية الداخلية و المتطلبات الخارجية للعالم المادي.و لكي نطبق مثل هذا الإسلوب من الحياة ,يجب علينا أن نعرف ما هي الطرق التي تهدّد الكنز الروحي (الوجد)للبشر.هناك ثلاثة أنواع من المشاعر الإنسانية تعيق توسّع العقل بإتجاه المبدأ الكوني

عندما يستحوذ شعور الإرتباط بالأرض الجغرافية على شخص ما ,فإن هذا الشعور يسمى الشعور الإقليمي.في الماضي ,و حتى في هذه الأيام , كان العديد من الناس مهتمين فقط بأرضهم و ببلادهم.عدا عن هذا الحب لأرضهم ,فقد طوّروا مشاعر ثانوية أخرى مثل المشاعر الإقليمية الوطنية و الإقليمية الدينية و الإقليمية السياسية و الإقليمية الإقتصادية.إستغل السياسيون المشاعر الإقليمية الوطنية لإثارة الجماهير و جرّوها لخوض حروب دامية عديدة.إن الإستعمار في الماضي و الإستعمار اليوم ما هو إلاّ شكل من المشاعر الإقليمية الإقتصادية." دعونا نطور بلادنا حتى ولو خلق ذلك بؤساً و فاقة في الدول التابعة لنا "هذا هو الشعار خلف المشاعر الإقليمية الإقتصادية 

شعور آخر ألحق الأذى بالإنسانية هو الشعور الإجتماعي .هنا يتركز إنتباه الناس على مجموعة إجتماعية معينة  ينتمون لها .قد تكون مجموعة وطنية ,لغوية ,إجتماعية أو دينية.على الرغم أن هذا الشعور قد يكون أكثر إتساعاً بعض الأحيان من المشاعر الإقليمية (هذا إن حصل و كانت المجموعة الإجتماعية كبيرة جداً),و لكنه ما يزال يخلق الشعور بالجماعة الذي يمكن أن يؤدي إلى الصراع مع مشاعر الجماعات الأخرى.إن الحروب الدينية التي جرت بالماضي و التي تجري بالحاضر أيضاً,سببها هذه المشاعر الإجتماعية

و أخيراً فإن توسع العقل الإنساني مُغلق بنوع آخر من الشعور ظاهره جيد,وهو الإنسانية.إن الحب و الإحترام للكائنات الإنسانية الأخرى يجب أن يكون شعورا نبيلاً يُوحّد الإنسانية و يرتقي بعقول الكل.على أية حال فإن المذهب الإنساني العادي فيه بعض العيوب الجدّية. أولاً, مثل هذه الإنسانية لا تمتد إلى الحيوانات و النباتات.يتكلم الناس عن حقوق الإنسان ,و لكنهم ما يزالون ينكرون حقّ الحيوانات و النباتات في الوجود. يوجد خلل آخر في المذهب الإنساني , وهو إفتقاره إلى خلفية روحية قوية لدرجة أنه يتدنّى بعض الأحيان إلى إنسانية مزيّفة. على سبيل المثال,الكثير ممن يُدعون الأمم المتطورة يقدمون مساعدات خارجية إلى دول أقل تطوراً بإسم الإنسانية و لكن وراء الكواليس فإن الشركات المتعددة الجنسيات لنفس هذه الأمم تنتزع كل ثروات هذه الدول الأقل تقدماً مسببة البؤس الشامل للناس و الدمار البيئي الهائل و ذلك في سعيهم المتهور وراء الأرباح

ما عمله (شري برابات رانجان ساركار)هو أكثر من مجرد وصف هذه المشاكل التي سببتها هذه المشاعر,لقد قدم أيضاً الطرق التي يمكن بواسطتها التغلب على هذه المشاعر التي تقف في طريق وعينا الكوني المتطور.يقول (ساركار) : يمكننا أن نواجه هذه المشاعر الإقليمية فقط عندما يطور البشر قدرتهم على التفكير العقلاني.إن التفكير العقلاني أداة ثمينة للغاية موجودة تحت تصرف البشر.عبر الدراسة الصحيحة و إستخدام العقل , يمكن للبشر أن يتخطوا حدود المشاعر الإقليمية التي يُروّج لها الديماغوجيون

و في هذا الصدد أكّد (شري ساركار)أن ااتحليل العقلي يجب أن لا يراقب من قبل الناس المتعصبين (دوغما) الذين عرّفهم بأنهم أنظمة معتقدات أو أفكار يحاولون أن يُحدّوا من مجال التفكير الإنساني.في بعض البلدان ,على سبيل المثال,يمكن لشخص ما أن يناقش موضوع الإقتصاد فقط ضمن إطار فلسفة معينة.هذا أيضاً تعصّب لا يختلف عن التعصب الديني في بعض البلدان حيث لا يمكن مناقشة الأفكار الإجتماعية و الروحية إلاّ ضمن حدود وُضعت من قبل إعتقاد ديني معين.كل المتعصبين ,سواءً كانوا متديّنين أو قدموا أنفسهم على أنهم علميين, هم خطر على خير الإنسانية.فيما يخص المشاعر الإجتماعية ,فإن أفضل طريقة للتغلب عليها هي بالإلتزام بمبدأ المساواة الإجتماعية (ساما ساماج تاتفا). يمكن أن نلاحظ بين البشر إتجاهين للتفكير.بعض الناس يعيشون فقط من أجل متعتهم الأنانية و لا يفكرون أبداً بحاجات و حقوق الآخرين.أمّا النظرة الثانية الأرقى حيث يمتلك الناس تصميماً على التحرك نحو الوعي الأسمى,و على طول الطريق يصممون على إزالة التباينات الإجتماعية التي تقسّم الإنسانية .لقد أوضح (ساركار ) أن الجهد المبذول من أجل التقدم بإتجاه الحقيقة النهائية عن طريق تشكيل مجتمع خال من كل الفروقات,و السير بإنسجام مع كل فرد من السلالة البشرية ,فذلك يُدعى (ساما ساماج تاتفا )أي حرية العقل

و هكذا ,فإن المشاعر الإجتماعية يمكن التغلب عليها فقط بالنظرة الروحية المتأصلة في (ساما ساماج تاتفا).إن المفتاح لإزالة التباينات الإجتماعية هو في " العقلية الروحية الأساسية".إن العقلية الروحية الأساسية هي محاولة لتركيز العقل على الهدف الروحي (الوعي الأسمى).عندما يصبح مثل هذا النوع من الأفكار مبدأ الحياة الإنسانية,يمكن بسهولة أن نقهر المشاعر الإجتماعية .و من أجل أن نتغلب على عيوب المشاعر الإنسانية,على البشر أولاً أن يقبلوا أن كل المخلوقات لها قيمة وجودية. ذلك أن كل المخلوقات لها حق العيش في هذا العالم وفقاً لطبيعتها الملازمة لها.على البشر أن يتخذوا إجراءات معينة كي لا يدمروا البيئة الطبيعية للنباتات و الحيوانات,حتى لو ظهر أن ليس لها قيمة  نفعية لبني البشرلكي نحارب ضد الإنسانية المزيفة, يجب علينا أن نمتلك الدافع الروحي (حركة العقل بإتجاه الوعي الأسمى)الإنسانية يجب أن لا تبقى كمفهوم فكري بل يجب أن تُغذّى بفيض من المحبة .عندما يقوم الفرد بالممارسة الروحية,فإن الحب يتنمو بداخله إتجاه كل الكائنات,و عندما يُعبّر عن هذا الحب في الحياة الفردية و الجماعية ,فإن الروحانية تصبح مهمة الإنسانية و عندها يتحقق المبدأ الكوني 

 يؤكد شري ساركار أن الإنسانية الجديدة هي الحل للمشاكل الإجتماعية العالمية,و قد وصف الطرق التي بها يحاول القادة الإجتماعيين و الدينيين أن يعيقوا تقدم الإنسانية من خلال المتعصبين, و عبر الإنسانية و الروحانية المزيفة و الإجراءات الإصلاحية الناقصة التي لا تنبع من القلب .و على الرغم من السجل الكئيب للقادة في الحاضر و الماضي ,يجب أن نبقى متفائلين,لأنه حالما تقبل الإنسانية الوعي الكوني كهدف للحياة و تتحرك جماعياً بإتجاه الهدف ,عندها سننتصر على كل العقبات صغيرة كانت أم كبيرة


مقتبس من كتاب "حكمة اليوغا" بقلم المعلم (أشاريا فيدابراغيناندا أفودوتا)مطبوعات أناندا مارغا, سنغافورة  1990.كل الحقوق محفوظة .إذا كنت مهتماً بمزيد من التفاصيل عن الكتاب بما في ذلك معلومات عن كيفية الحصول عليه ,قم بزيارة إلى صفحة مطبوعات أناندا مارغا على موقعنا

 

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
   
       
   

English

 

الصفحة الرئيسية

ليوغا و التأمل

لفلسفة الروحية

الإنسانية الجديدة

الفلسفة الإجتماعية

 مطبوعات

  شري شري أناندا مورت

  عناوين و صلات

شاطات إغاثة

 
   
   
   
   
   
   

حقوق الطبع محفوظة للأناندا مارغا براشاراكا سامغا,2006 إتصل بنا |أسئلة تتكرر بإستمرار